اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
393
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وأهميتها الجغرافية أو تبعا للمادة التي كانت تحت تصرف أبى الفدا عنها . أما الجزء الثاني لكل منطقة فيمثل جدولا يقدم رسوما بيانية متتالية تحتوى على أسماء البلاد والنقاط المأهولة فيها والمصدر الذي اعتمد عليه أبو الفدا في تحديد طولها وعرضها والإقليم الفلكي والجغرافي الذي تنتمى إليه ، هذا مع بيان الأسماء بدقة من جهة الإملاء وتقديم وصف عام للمدن 63 . وأبو الفدا أول من اتبع نظام الجداول في علم الجغرافيا وهي خطوة لا تعتبر شيئا أصيلا إذ من الطبيعي أن نفترض منذ البداية أن أبا الفدا قد استعار فكرة الجداول من الزيجات التي كان يعرفها معرفة جيدة . غير أن أبا الفدا نفسه يذكر صراحة 64 أنه قد سار على نهج الطبيب يحيى بن جزله ( توفى عام 493 ه - 1100 ) 65 - - الذي وزع الأمراض في مصنفه الشعبي « تقويم الأبدان » على هيئة جداول وفقا للنماذج الفلكية . وربما تقودنا هذه الملاحظة الأخيرة إلى التفكير في أن الاثنين قد رجعا إلى مصدر مشترك ، غير أن أبا الفدا يذكر بصراحة أنه أخذ تلك الطريقة عن الطبيب بما في ذلك عنوان الكتاب نفسه . والمصادر المدونة التي اعتمد عليها أبو الفدا معروفة لنا على وجه العموم لأنه كان من عادته الإشارة إلى مصادره بدقة 66 ؛ ففيما يتعلق بالأدب الكلاسيكى للقرن العاشر اعتمد أبو الفدا أساسا على الإصطخرى وابن حوقل ؛ ومن بين المتأخرين اعتمد على الإدريسى الذي عرفه لا في كتاب « نزهة المشتاق » وحده بل وفي مصنفه الثاني الذي لم يصل إلينا 67 ؛ كذلك استعمل معجم ياقوت وجغرافيا ابن سعيد ؛ ومخطوطة هذا المصنف الأخير التي اطلع عليها أبو الفدا محفوظة الآن بباريس 68 . أما من بين المؤلفين الذين فقدت مصنفاتهم بالنسبة لنا فتحتل أهمية خاصة الفقرات العديدة التي نقلها عن المهلبي جغرافى العهد الفاطمي ، والتي تساعد على تكوين فكرة عن مؤلفه الجغرافي 69 . وقد وجه أبو الفدا اهتمامه كما هو معروف إلى الجغرافيا الوصفية ، إلا أن الجغرافيا الرياضية تحظى كذلك بمكانة كبيرة في كتابه إذا ما قورن ذلك بالحالة السائدة في عصره 70 . وكان مصدره في هذا المجال هو البيروني خاصة في كتابه « القانون » ، وابن سعيد الذي مر ذكره ؛ وغير معلوم لنا أي « كتاب الأطوال » يعنى عندما يشير إلى ذلك ولكن الرأي الغالب أنه يقصد بهذا الترجمة العربية لإحدى مصنفات بطلميوس العديدة . أما فيما يتعلق بمصادره الشفوية فلا نستطيع إلا أن نقف موقف التكهن ؛ وهي بلا شك قد وجدت ويمكن أن نقدم مثالا لها الرواية التي ينقلها على لسان أحد التجار عن مصب نهر الفلجا أو إشارته خلال كلامه عن الهند إلى رحالة زار تلك البلاد . ومن الطبيعي أن تحتل الشام والبلاد المجاورة لها الأهمية الكبرى عنده من حيث وفرة المادة ؛ أما فيما يتعلق بأوروبا الشمالية والغربية فإنه لا يمثل أهمية كبيرة بجانب بعض المصادر الموجودة في أيدينا الآن . وقد لوحظ أكثر من مرة تسرب الأخطاء إلى مادته عن عدد من الأقطار وذلك لأسباب مختلفة ، فمثلا وصفه لأفريقيا الجنوبية بمثل تقهقرا علميا واضحا عند المقارنة بمصدره البيروني 71 . وقد لمسنا